في أحد أزقة حي "بختياري" الهادئة بمدينة السليمانية، لم تكن "رنكين محمود" (61 عاماً) تنتظر فقط هدوء التوتر بين إيران وإسرائيل، بل كانت تنتظر أيضاً أن يختفي ذلك الدخان الأسود الذي دخل بيتها وأنفاسها لسنوات.
رنكين، التي تعرضت هي وزوجها لجلطات قلبية ودماغية، تقول إن "المولدات الأهلية" القريبة من منزلها تحولت إلى "قاتل صامت"، وعادت لتزيد معاناتهم من جديد بعد تصاعد الأزمة.
في تموز 2025، شعرت رنكين مثل آلاف العائلات بأن هناك أملاً أخيراً للتخلص من صوت المولدات ودخانها، لكن ذلك الأمل سرعان ما عاد ليتحول إلى دخان يملأ الحي من جديد.
فقد حمل قرار الحكومة بإزالة المولدات والعمل بمشروع "روناكى" لتوفير الكهرباء الوطنية على مدار 24 ساعة، بشرى بهواء نقي وهدوء مفقود. لكن بمجرد قرع طبول الحرب في المنطقة وتعرض محطات الكهرباء وحقول الغاز مثل "كورمور" للتهديد، اضطرت الحكومة لإعادة تشغيل المولدات مرة أخرى لسد النقص في الطاقة الوطنية.
على بعد 20 متراً فقط من غرفة معيشة "رنكين"، تعمل مولدة تجعل من الصعب على شخصين إجراء حوار وفهم أحدهما الآخر بسبب ضجيجها، فضلاً عن دخانها الذي صبغ جدران منزلها بالسواد. تقول رنكين بحزن "لا نستطيع حتى الوقوف في باحة المنزل، ولا يمكننا فتح النوافذ.. لقد أصبحنا محاصرين ومنهكين داخل بيوتنا".

سمٌّ في رداء الهواء لا تقتصر أضرار الحرب على آثار الصواريخ فحسب؛ حيث يطرح "ريبين صمد عبد الله"، الخبير البيئي والمدرس في جامعة أربيل، إحصائية صادمة "الأضرار الناجمة عن تشغيل مولدة واحدة لمدة ساعة تعادل ما تنفثه 200 سيارة في آن واحد". تتحول الجسيمات الدقيقة السامة (PM2.5) المنبعثة أثناء تشغيل المولدات إلى مصدر لغازات خطيرة.
ويشير الخبير البيئي إلى أن هذه الغازات تذهب مباشرة إلى الدم والرئتين، وتسبب الجلطات والأمراض المزمنة.
كما أن الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، التي بلغ عددها 809 هجمة خلال فترة الحرب حسب مصادر الرسمية من الحكومة اقليم كوردستان. لم تكن أضرارها مادية فقط؛ فالغازات المنبعثة من متفجرات الـ "TNT" وبقايا الصواريخ، مثل (PM0.5, PM0.3, CO2, SO2, CH4)، تبقى في الهواء لعدة ساعات، وبسبب صغر حجمها، تنفذ مباشرة إلى الأوعية الدموية.
تلك الهجمات التي راح ضحيتها أكثر من 140 شخصاً، وقعت بنسبة تزيد عن 50% منها في أربيل، و30% في السليمانية، بينما توزعت البقية على دهوك والإدارات المستقلة.
الطفرات الجينية والسرطان تحذر "هةورو طه"، أخصائية السرطان، من أن هذه الغازات ليست مجرد سبب للسعال، بل إنها تهاجم خلايا الإنسان "هذه المواد تشكل ترسبات داخل الرئتين وتهاجم الحمض النووي (DNA) وتحدث طفرات جينية، وهذا هو بالضبط أساس نشوء السرطان".

ووفقاً للإحصاءات الرسمية، أدى توفير الكهرباء الوطنية المستمرة إلى إيقاف نحو 6 آلاف مولدة أهلية عن العمل (قبل ظروف الحرب وتدهور وضع الطاقة)، وهو ما يمثل 85% من إجمالي المولدات في الإقليم. وقد ساهمت هذه الخطوة في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الجو بمعدل 1.1 مليون طن سنوياً.
من جهة أخرى، يشير "كوران قادر"، رئيس لجان القائمقامية في السليمانية، إلى أن العودة لتشغيل المولدات كان خياراً اضطرارياً، ويقول "اضطررنا لذلك لتوفير الكهرباء للمواطنين، لأن التهديدات على حقل كورمور قللت من قدرة توفير الكهرباء الوطنية".
الخطر لا يقتصر على الهواء فقط؛ فالمعادن الثقيلة الموجودة في بقايا المتفجرات ووقود المولدات تنزل مع الأمطار إلى التربة وتختلط بالمياه الجوفية.
تشير الدكتورة "زينو خالد"، الخبيرة البيئية، إلى أن هذه السموم مثل "الرصاص" تبقى في جسم الإنسان لفترة طويلة، وتظهر آثارها القاتلة على الكبد والكلى بعد مرور زمن.
حتى البستانيون يعانون من تشغيل المولدات، كون معظمها يوضع داخل الحدائق والمساحات الخضراء.
يقول "جلال علي" الذي يعمل فلاحا في السليمانية، "دخان المولدات تسبب في جفاف أشجار الصنوبر، ولم يعد الناس قادرين على الجلوس في المساحات الخضراء، الجميع يهربون بسبب الضجيج ورائحة الدخان".
ويصنف العراق وإقليم كوردستان ضمن قائمة الدول الخمس الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية عالمياً حسب الامم المتحدة. وأصبحت الحرب عاملاً آخر لتسريع هذه الكارثة. بين السلاح والمولدة، يواجه سكان اقليم حرباً أخرى؛ حرب حماية الرئتين من السم.