تُطَبق "هيفاء رشو" البالغة من العمر 25 عاماً ما تعلّمته بشكل عملي داخل بيت بلاستيكي طوله 51 متراً وعرضه 9 أمتار. الهدف هو أن تكون صاحبة عمل مستقل وأن تعمل جنباً إلى جنب مع عائلتها في سوق يعتمد كلياً على دور الرجال.
في المجتمع العراقي يقود الرجال عموماً عملية زراعة وتسويق المحاصيل، فيما تلعب المرأة دوراً ثانوياً في العملية، لكن 6 فتيات مقيمات في أحد مخيمات النازحين بمحافظة دهوك قلبن هذه المعادلة.
بعد أن وزعت عليهن منظمة "زيندا" بيتين بلاستيكيين، تتولى الآن هيفاء ورفيقاتها الإشراف على زراعة وسقي وحتى تسويق المحاصيل.
تعود جذور هذه التجربة لمشاركة 50 امرأة وفتاة نازحة في دورة أقامتها منظمة "زيندا" المعنية بدعم النازحين، بالأخص النساء، في محافظة دهوك. المنظمة منحت بيتين بلاستيكيين لستّ فتيات شاركن في الدورة.
الدورة التي استغرقت 45 يوماً كانت لها ثلاثة أهداف (التعلم، تأسييس اقتصاد مستقل ونسيان الآلام)، وقد كُرِّست الدورة لنساء المخيمات اللاتي عانين الأمرّين في قبضة تنظيم داعش وفي فترة النزوح.
هيفاء، التي تعيش منذ أكثر من 10 سنوات في مخيم خانكي، كانت من بين المشاركات في الدورة.
قبل مشاركتها، كانت هيفاء بدون عمل، "أردت أن أحقق هدفي في العمل وتأمين مصدر دخل، لذا كنت متحمسة للمشاركة في الدورة". كانت هيفاء من بين الأوائل في الاختبار النهائي للدورة، لذلك منحتها المنظمة وعدد من رفيقاتها بيتاً بلاستيكياً لكي يطبقن بشكل عملي كل ما تعلمنه حول الزراعة والقيادة وتأمين مصادر الدخل.
اثنتان من الفتيات اللاتي حصلن على بيوت بلاستيكية تحصدن ثمار تعبهن تصوير: كركوك ناو
"تعلمت الزراعة وأصبح لي دخل، كما أنني تخلصت من البطالة، التي كانت مصدر الملل والضيق النفسي"، بحسب هيفاء.
تقوم الفتيات الست بزراعة الخيار والباذنجان والبامية وغيرها من المحاصيل حسب المواسم، وبعد نضجها يبعنها لسكان المخيم وخارجه.
وقالت هيفاء، "هذا العام لم ينضج سوى محصول الخيار، بعنا أكثر من 300 كيلوغرام لأن هناك طلبًا أكبر على المنتجات المحلية، ونتوقع أن نبدأ ببيع البامية والباذنجان قريباً".
تقول نورا داود، وهي أم لأربعة أطفال وتبلغ من العمر 38 عاماً، إنها باتت قادرة على إعالة أطفالها بمساعدة زوجها بعد أن حصلت على منزل بلاستيكي.
زوج نورا عامل أجير ويعاونها في إعالة الأطفال مستفيدين أيضاً من مبلغ الـ 200 ألف دينار التي تجنيه نورا من الزراعة.
منذ ان استلمت البيت البلاستيكي في 2025، أنتجنا ثلاث وجبات من محصول الخيار، اثنتان منها في العام الماضي وواحدة هذا العام، وهو نفس الإنجاز الذي يحققه المزارعون من أصحاب الخبرة.
وقالت نورا، "أحد مواسم العام الماضي كان جيداً جداً، بعنا ما قيمته أربعة ملايين دينار من محصول الخيار".
هذا الإنجاز للنساء اللاتي نزحن جراء حرب داعش ليس سهلاً، خصوصاً أن معظمهن من المكون الديني الإيزيدي.
امرأة تسقي الشتلات في بيت بلاستيكي بمخيم خانكي للنازحين تصوير: كركوك ناو
في آب 2014، تعرض إيزيديو نينوى لهجوم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام-داعش" والذي أسفر عن مقتل ألفين و293 إيزيدي، كما اختطف التنظيم 6417 آخرين، بينهم نساء وأطفال.
حتى الآن لا يزال مصير أكثر من ألفين و500 مختطف مجهولاً، فضلاً عن نزوح وهجرة آلاف العوائل الإيزيدية، وفقاً لإحصائيات مكتب إنقاذ المختطفين الإيزيديين التابع لحكومة إقليم كوردستان.
"بعد كل ما حلّ بنا تعلمنا كيفية الزراعة والاعتناء بالمحاصيل الزراعية وتسويقها، كما أننا تحررنا من الروتين اليومي"، حسبما قالت نورا.
بشكل عام، منح المشروع نورا الأمل في أن تتمكن النساء من كسب الدخل إلى جانب الرجال والعمل في السوق إذا أتيحت لهن الفرصة.
تقارن نورا بين وضعها الحالي والفترة التي قضتها بدون عمل، "كون زوجي كان هو الوحيد الذي يعمل، كنا بالكاد نستطيع كسب قوتنا، لكن الوضع الآن مختلف".
مديرة المشاريع في منظمة زيندا، آية خليل، قالت لـ(كركوك ناو)، إن "الهدف الرئيسي للمشروع هو أن تتعلم النساء أحد أهم المهن وهي الزراعة، وأن تشارك جنباً إلى جنب مع الرجال في تأسيس اقتصاد مستقل وكسب الدخل، كما أن المشروع يساهم في تخفيف الأعباء النفسية للحياة داخل المخيمات".
رغم تشديدها على قلة الدخل الذي تحصل عليه النساء والفتيات من المشروع، تقول آية إن "هذا الدخل لا بأس به ويشجعهن على أن يؤسسن مصدر دخل مستقل".
تدرس المنظمة توسيع المشروع ليشمل أكبر عدد ممكن من النساء النازحات. وتستدرك آية "لكن هذا يتطلب دعماً مالياً أكبر لأن عملية التعليم، ثم توفير المستلزمات والبيوت البلاستيكية، تتطلب نفقات إضافية".