قناة الجزيرة؛ شبه جزيرة من الكراهية المذهبية والقومية

سلام عمر

سلام عمر

أخيراً انتهت كافة "حملات التمشيط" في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب السورية "بنجاح" من قبل قناة الجزيرة والذين يتبنون نفس الخطاب الإعلامي. الأيام العشرة الماضية علامة على سقوط أغلب وسائل الإعلام الرائدة في المنطقة في هاوية الانتهاك الإعلامي والعمل كبوق خاضع للسلطة الانتقالية في سوريا، في حين أن كلاً من المعتدين والذين يدافعون عن أنفسهم سوريون.

عشرة أيام غير مسبوقة من التحيز، انعدام المهنية، التشجيع على الكراهية واستباحة دماء الذين لا تتلاءم توجهاتهم مع الروايات الرسمية للجيش العربي السوري. التغطية غير المتوازنة، نشر الإشاعات والانضمام إلى الصراع من السمات البارزة لهذا الخطاب. بالنسبة لمثل هذه القنوات، فإن تبنّي الرواية الرسمية للحكومة السورية المؤقتة باعتبارها الحقيقة الوحيدة يُعدّ دليلاً واضحًا على أنها بعيدة جدًا عن ممارسة الصحافة المهنية، ولا تلتزم بمبادئ التحقق، والفهم المتعمّق، والتدقيق في المعلومات.

لكي نفهم الجزيرة لنعد قليلاً إلى الوراء:

سقوط صنم العراق بداية 2003

الجزيرة، خلافاً لأبسط مبادئ العمل الصحفي ودون مراعاة مصائب شيعة وكورد العراق، بدأت بمعاداة غالبية شعوب العراق والاستهانة بآلامهم وأصبحت منبراً للبعثيين القدامى والاجيال السابقة لداعش وهيئة تحرير الشام. في الوقت الذي كان ذوو الضحايا يبحثون عن رفات ذويهم، كانت الجزيرة تصب الملح على جراح غالبية العراقيين، حتى وصلت الأمور لأن يأمر رئيس الوزراء العراقي في حينها، أياد علاوي، في 2004 بإغلاق مكتب قناة الجزيرة بتهمة تشويه صورة العراق، لكن الجزيرة واصلت نفس أسلوب التغطية والتعامل مع الشعب العراقي، حتى يومنا هذا.

المعادلة واضحة، الصنم المحطم كان يتبع مذهباً معيناً، بينما يتبع اغلبية المسؤولون الجدد في السلطة مذهباً جديداً وكانت الجزيرة تصورهم على أنهم ليسوا منهم بل قدموا من وراء الحدود، وهذا الأمر لا يتقبله مسؤولو القناة. لذا وقعت الجزيرة في حب الصنم وأدرات ظهرها لضحايا مكونات العراق الأخرى.

سقوط صنم سوريا نهاية 2024

الجزيرة، خلافاً لأبسط مبادئ العمل الصحفي ودون مراعاة مصائب ضحايا جلادي ومسلحي هيئة تحرير الشام والجماعات المسلحة الأخرى، وقفت هذه المرة خلف الصنم الجديد بدل القديم. اللعبة هذه المرة أسهل، الصنم القديم من مذهب آخر، أما الجديد يتبع مذهب الجزيرة، والذين يخالفونه هم عملاء ما وراء الحدود. منذ تلك اللحظة، لم تتوقف القناة عن معاداة أي مجموعة أخرى في المجتمع السوري لا تفكر مثل الصنم الجديد.

قناة الجزيرة وكوادرها البارزة وصلت في الأيام القليلة الماضية إلى ذروة تغطيتها غير المهنية عند تناولها لما يحدث في كلا حيَّي مدينة حلب السورية. تقسيم الصراع على جبهتي الخير والشر، الجبهة السورية وغير السورية، جبهتنا وجبهتهم.

"الرأي والرأي الآخر" كجزء من الماضي

حين ظهرت الجزيرة كان شعار "الرأي والرأي الآخر" مثيراً للاهتمام. وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن قد تطورت بعد، وكان العالم الذي تقوم القناة، ولا تزال، بتغطية أحداثه، غارقًا في العنف والقمع.

في الصحافة الحديثة، هذا الشعار غير مكتمل ومضلل، رأي من ومن تبث، كيف يصبح هذا الرأي والرأي الآخر معياراً للوضع، كيف تثبت صحة هذين التوجهين، هذه هي الأسئلة التي تطرحها الصحافة الحديثة.

في ظروف كهذه، تعطي الجزيرة 99 بالمائة من الوقت للرأي الذي تفضله و 1 بالمائة للرأي الآخر. هذه هي المساحة الصحفية التي وفرتها القناة. لذا، لا تهتم الصحافة بالرأي والرأي الآخر بقدر ما تهتم بإثبات الرأي المطروح.

في ظروف مماثلة، يلجأ الصحفيون لتبني صيغة صحفية تسمى الصحافة الحساسة للنزاعات. الصحافة الحساسة للنزاعات تتضمن تغطية التغييرات الخاصة بكل نزاع عن طريق رؤية موضوعية، عادلة، دقيقة، إنسانية ومسؤولة، دون المشاركة في تعميق الغموض من خلال الانخراط في النزاع، بل إعطاء المجال للاستماع إلى أصوات الذين لا تسمع أصواتهم في النزاع. ( المصدر: الصحافة البناءة (DW) )

في مثل هذه الظروف، لا يسعى الصحفيون لمحو التعدد أو فرض خطاب واحد، تحت أي مسمى، سواء القومية، الوطن أو معايير الوطنية، لأن كافة أطراف النزاع وصلوا إلى درجة من انعدام الثقة يصعب معها معرفة أي خطاب يتوازى مع المصلحة العامة.

الصحفيون في كل المجالات لا يصورون (الآخر) كوحش أو غول، بل يتعاملون معه كأنسان، لكن قناة الجزيرة، كما نرى، تفعل العكس، إذ تشجع على الكراهية وتشويه صور الذين لا يتوافقون في النزاع مع عقيدة الداعمين للقناة.

قناة الجزيرة تعيش في نفاق لا مثيل له؛ مثال غير مسبوق على الانتقائية في الإعلام، وقد تهيأ له ذلك بسبب ضعف مستوى الوعي الإعلامي في المنطقة. الجزيرة تبث بعدة لغات أخرى، لا تجرؤ أن تمارس العمل الصحفي بهذه الفضاحة، إذا تمعنت في مستوى مضمونها الصحفي باللغة الإنجليزية أو الإسبانية، ترى ان القناة تمارس العمل الصحفي بصورة مغايرة جداً.

صحيح أن التأثير الإعلامي لقناة الجزيرة لا يمكن تجاهله، في البداية ظهرت كومضة أمل من الأعماق المظلمة لشبه الجزيرة العربية إلى أن وصلت إلى أجزاء كثيرة من العالم. القصة استمرت بهذا الشكل، حتى ظهرت الأجندة المذهبية والضيقة للمؤسسة. القناة وصلت إلى القصر الجمهوري في أفغانستان برفقة مسلحي طالبان، كانت تصلها أشرطة خطابات بن لادن والظواهري قبل الجميع، لكنها لم تكن تعلم ولا زالت لاتعلم ماذا يجري داخل قطر.

في إحدى المرات، قال الإعلامي البارز في قناة الجزيرة، وضاح خنفر إن "الجزيرة تُعرف في العالم العربي بصوت حرية التعبير". لكن من شاهد التغطية الإعلامية للقناة خلال الأيام القليلة الماضية، بالتأكيد سيقول، أنت تبالغ يا عم وضاح!

الأشرار هم من يديرون وسائل الإعلام في الشرق الأوسط، التعامل مع هذا الوضع صعب بالنسبة لأولئك الذين تعتبرهم وسائل الإعلام الرائدة أعداءً وزنادقة.

على مستوى الأفراد، تطوير الوعي الإعلامي وتشجيع الشباب على تعلم اللغة العربية حتى يتمكنوا من التواجد في العالم الافتراضي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي يعتبر خطوة حضارية. التواجد الكوردي على منصات الجزيرة والعربية والقنوات الموجودة داخل سوريا لم يكن قليلاً، لكن هناك عدم توازن شاسع لتصحيح المعادلة. مقاطعة تعلم اللغة العربية ليس عملاً ثورياً، بل محاولة متعجرفة للابتعاد عن العالم العربي. هذا التفكير مختلف تماماً بالنسبة للكوردي الذي يسخر من اللغة الكوردية الآم ويقول "لا تصلح إلا لأن نغني بها". كم هو شرف عظيم أن تكون صاحب لغة تُعرف بلغة الغناء والمرح والبهجة.

على النطاق المؤسساتي، دائماً ما يعمل الإعلام الكوردي على ردود الأفعال، دائماً ما يصبح ملحقاً للأحداث ويتعقب الخطاب الإعلامي السائد في المنطقة. رغبة المؤسسات التي حولت بث قنواتها مباشرة إلى اللغة العربية، محل تقدير، لكن هذا في حد ذاته ليس أكثر من عمل مدني وإظهار لموقف. ليس من المستبعد أن تتخذ أحداث إيران هذا المنحى، ويتكرر السيناريو المتمثل بضرورة تواجد الإعلام الكوردي، لكن كيف سيتواجد، هذا هو السؤال.

ختاماً، على النطاق المجتمعي، من المهم أن تتخذ المكونات التي تشوهها خطابات قنوات مثل الجزيرة خطوات جماعية، مثل تأسيس مؤسسات إعلامية تغطي الأحداث باللغة العربية، لكي تتعامل هذه المكونات بشكل مباشر مع المتلقي العربي، بدلاً من التعامل مع جهة ثانية أو ثالثة، والتي قد تعتبر جهة غير أمينة، بما في ذلك قناة الجزيرة.

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT