ريبوار "واحد عراق" يغادر المنصب وتسلسل للأحداث من فندق الرشيد إلى كركوك

كركوك/16 نيسان 2026/ اجتماع مجلس محافظة كركوك لتدوير منصب المحافظ وعدة مناصب أخرى. إلى جانب صورة المحافظ الجديد، محمد سمعان، والمحافظ السابق والنائب الحالي للمحافظ، ريبوار طه.     تصميم الصورة: كركوك ناو

كركوك ناو

دقائق فقط من اجتماع مجلس محافظة كركوك كانت كافية لوضع حد للصراعات والخلافات التي استمرت عاماً وثمانية أشهر، أزمة بدأت في الأساس من جلسة مشابهة عقدت في فندق الرشيد بالعاصمة العراقية بغداد.

بعد 20 شهراً (614 يوماً) من المقاطعة واللجوء للمحاكم والحرب الإعلامية التي أوصلت مجلس المحافظة إلى حافة الشلل، اجتمع المجلس مساء (16 نيسان 2026) بحضور 14 من أصل 16 عضواً في المجلس من أجل تغيير هرم السلطة التنفيذية في الحكومة المحلية وتنصيب محافظ جديد.

التدوير شمل إلى جانب المحافظ عدة مناصب إدارية أخرى وأملى المقاعد الشاغرة في مجلس المحافظة. الأطراف التي كانت فيما مضى ترفض نتائج اجتماع فندق الرشيد أصبحت جزءاً رئيساً في الإدارة التي كانت تعتبرها "غير شرعية".

الفرق هو أن الكورد استعادوا منصب المحافظ بعد سبعة أعوام من الانتظار عن طريق شرعية "الرشيد"، والتركمان استغلوا نفس الشرعية ليحققوا حلماً تاريخياً ويتسنموا منصب المحافظ بعد أكثر من قرن من الانتظار. وهذه ليست نهاية الطريق، فكركوك باتت بموجب نفس "الشرعية" أمام تغييرات جديدة من المتوقع أن تجرى مطلع العام القادم.

 

وضع النهاية لأزمة "الرشيد"

جلسة مجلس محافظة كركوك التي عقدت في وقت متأخر من مساء الخميس، وقاطعها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كانت بمثابة مراسيم للانتهاء من الصراع السياسي الذي انطلق من فندق الرشيد.

تشكلت الحكومة المحلية في كركوك في 10 آب 2024 ببغداد بمشاركة خمسة أعضاء من الاتحاد الوطني الكوردستاني، عضوين من قائمة القيادة، عضو قائمة العروبة وعضو كوتا المكون المسيحي، اكتمل بهم النصاب (9 من أصل 16 عضو).

لكن بقية أعضاء المجلس وهم التحالف العربي في كركوك (3 أعضاء)، الحزب الديمقراطي الكوردستاني (عضوان) والجبهة التركمانية (عضوان) لم يشاركوا في اتفاق تشكيل الحكومة بل قاطعوه ولجأوا إلى المحاكم.

رئيس مجلس محافظة كركوك، محمد الحافظ، قال في مؤتمر صحفي عقد ليلة 16 نيسان وحضره مراسل (كركوك ناو) إن تدوير المناصب بموجب اتفاق تشكيل الحكومة تأخر عن موعده بسبب الظروف الاقليمية والتوترات التي تشهدها المنطقة، وفسر الخطوات الحالية على أنها جادة وتعزز الشراكة من أجل كركوك.

أواخر 2024 ومطلع 2025 ردت المحكمتان الإدارية والاتحادية عدة شكاوى مقدمة من المعترضين، بشأن عدم شرعية انتخاب الحكومة المحلية في محافظة كركوك، بينها شكوى محافظ كركوك السابق ورئيس التحالف العربي، راكان سعيد، والرئيس السابق للجبهة التركمانية، حسن توران.

حالة عدم الاستقرار، بما في ذلك مقاطعة جلسات المجلس، استمرت قبل أن تشهد الأشهر السابقة عودة تدريجية للأعضاء المقاطعين إلى جلسات المجلس، لكن الحرب الإعلامية ضد حكومة كركوك من قبل المعترضين بقت على حالها.

671491640_1460293752777035_1630708821488574352_n

كركوك/16 نيسان 2026/ اجتماع رئيس مجلس المحافظة والمحافظ   تصوير: إعلام مكتب المحافظ 

عضو مجلس محافظة كركوك عن المكون العربي، ظاهر أنور العاصي، كشف في مقابلة مع (كركوك ناو) في أيلول 2025 أنه بموجب الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة المحلية، سيتم تدوير منصب المحافظ ابتداءً من الأول من كانون الثاني 2026 للتركمان وبعدها للعرب، مشيراً إلى أن هذا التدوير ضمن من قبل عدد من السياسيين، بينهم أمين عام حركة عصائب الحق، الشيخ قيس الخزعلي.

خفت حدة التوترات منذ أواخر العام الماضي، وخاصة عشية الدورة السادسة لانتخابات مجلس النواب العراقي، حيث طفت على السطح أحاديث جديدة عن تدوير للمناصب في أوائل عام 2026، في حين أعرب التركمان علنًا عن رغبتهم في تولي منصب المحافظ، الذي يطالبون به منذ سنوات.

عضو مجلس محافظة كركوك عن الجبهة التركمانية، سوسن عبد الواحد قالت لـ(كركوك ناو) إن موقف التركمان كان واضحاً منذ بداية اتفاق فندق الرشيد، وكانت لديهم ملاحظات على الاتفاق، لكنهم أُبلغوا في حينها بأن أحد بنود الاتفاق يتعلق بتسليم المنصب للتركمان، "كنا ننتظر لنرى ما إن كانت الأطراف ستلتزم بالاتفاق أم لا".

في نيسان الجاري، وفي خضم السجال الذي كان دائراً حول منصب رئيس الجمهورية وحسمه لمرشح الاتحاد الوطني الكوردستاني، وافق الأخير على تسليم منصب محافظ كركوك للجبهة التركمانية.

 

بداية صعبة ونهاية أصعب

حين تولى ريبوار طه منصب المحافظ في آب 2024، كانت كتل مجلس المحافظة في ذروة الصراع، وكان هناك خلاف حاد حول توزيع المناصب، وأجريت محادثات على مدار أشهر تحت ضغط جهات أخرى، بينها رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني.

قرار الاستقالة من المنصب، حسبما قال ريبوار طه، لم يكن سهلاً، "استجدت أمور لم تكن ضمن إرادتي، كان علي أن أترك هذا المنصب".

وقال محافظ كركوك الذي حصل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على أكثر من 90 ألف صوت لكنه فضل عدم الالتحاق بالبرلمان، قال في رسالة عقب استقالته إنه رفض العديد من المناصب في بغداد لكي يبقى في كركوك وأن ما حدث كان خارج إرادته، وقال "أمر صعب أن أترك منصب المحافظ وأصبح نائباً للمحافظ"، لكنه أشار إلى أن "جميع القرارات ستتخذ بالتوافق وبمشاركة نواب المحافظ".

في نفس اليوم، 16 نيسان، قدم ياوز حميد استقالته من منصب نائب المحافظ الذي تسنمه في 2024 عن المكون التركماني، خطوة طرد بسببها من صفوف الجبهة التركمانية.

سيشغل منصب المحافظ مرشح عربي في المرحلة المقبلة، وأن المحافظ المقبل سيستمر في منصبه حتى إجراء انتخابات مجلس المحافظة

في جلسة 16 نيسان، صادق مجلس المحافظة على استقالة ريبوار طه وانتخب نائباً للمحافظ بعد انتخاب محمد سمعان محافظاً لكركوك، كما انتُخب رئيس كتلة الاتحاد الوطني، نشأت شاهويز، نائباً لرئيس مجلس المحافظة. وتم تعيين آفيستا محمد من نفس الحزب قائمّقاماً لكركوك بدلاً من فلاح يايجلي (عن المكون التركماني)، وعين عدنان حسين قائمّقاماً لقضاء داقوق، الذي كان يشغله مرشح عن المكون العربي. كما عُيّن آواره أحمد مديراً لناحية قرهنجير، إلى جانب عدة مناصب أخرى كمعاوني المحافظ ومستشاريه ورئيس ديوان المحافظة.

محافظ كركوك الجديد، محمد سمعان، قال في مؤتمر صحفي، حضره مراسل (كركوك ناو) إن التركمان تمكنوا من استعادة المنصب بعد 102 عام، في إطار عملية تفاهم وتنسيق مشترك، ووعد بأن لا يكون ممثلاً لحزب أو مكون معين. وكان آخر محافظ تركماني لكركوك هو فتاح باشا عام 1924.

عضو مجلس المحافظة عن المكون العربي، رعد الصالح، أوضح لـ(كركوك ناو) أن "العرب سيتضررون من هذا التدوير لأنهم سيخسرون المنصب مجاناً، حيث أن الجبهة التركمانية لم تكن مشاركة في اتفاق تشكيل الحكومة".

مثلما استقال ريبوار طه من منصبه، ينتظر محمد سمعان مصير مماثل. فبحسب الاتفاق نفسه، لديه فترة زمنية محددة لتنفيذ البرنامج الإداري لحكومته قبل أن يحين دور مكون آخر لتولي المنصب. من المقرر أن يشهد المنصب عملية تدوير جديدة في نهاية هذا العام أو مطلع العام المقبل.

رئيس مجلس المحافظة أوضح أنه وبحسب الاتفاق السياسي، سيشغل منصب المحافظ مرشح عربي في المرحلة المقبلة، وأن المحافظ المقبل سيستمر في منصبه حتى إجراء انتخابات مجلس المحافظة، المقرر إجراؤها بموجب القانون أواخر 2027.

 

مقاعد المجلس أصبحت ممتلئة

قاعة اجتماعات مجلس محافظة كركوك شهدت ليلة 16 نيسان منظراً مغايراً، حيث أن أغلبية المقاعد التي بقيت شاغرة طوال 20 شهراً بسبب المقاطعة كانت مشغولة.

الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمقعدين هو الوحيد الذي غاب عن الجلسة، وقال الحزب في بيان إن "قرارنا هذا ليس فقط موقفاً سياسياً بل امتداد لمواقفنا القومية السابقة، منها مقاطعة اجتماع فندق الرشيد".

لم تتمكن جبهة المقاطعة ولا الجبهة المشاركة في الحكومة من أداء مهامها الرقابية وحسم المناصب الإدارية.

عضو مجلس المحافظة عن الجبهة التركمانية، أحمد رمزي، أنهى مقاطعته لاجتماعات المجلس قبل عام وقال حينها لـ(كركوك ناو)، "لم أكن أؤمن بالمقاطعة، لأننا جربناها من قبل ولدينا ذكريات مرة معها، كل مقاطعة لن تضر إلا بصاحبها".

الصورة تغيرت الآن تماماً؛ مجلس محافظة كركوك، المؤلف من 16 عضواً، انقسم إلى جبهتين (9 أعضاء من المشاركين في الحكومة أو ما يطلق عليه جبهة فندق الرشيد، مقابل سبعة من المعترضين). هذا الانقسام تغير عدة مرات وفقاً للاتفاقات والمفاوضات بين الأحزاب السياسية، وفي النهاية واصل عضوان فقط من الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعضو واحد من المكون العربي مقاطعة الجلسات.

محافظ كركوك السابق، راكان سعيد الجبوري، بعد 800 يوم من انتخابه عضواً في المجلس، عاد للمشاركة خلال جلسة 16 نيسان وصوت على تدوير منصب المحافظ والمناصب الأخرى.

644569428_1456436509186161_1475739833937157776_n

كركوك/ 2026/ ريبوار طه، محافظ كركوك السابق والنائب الحالي لسمعان تصوير: المكتب الإعلامي

وفقاً للنظام الداخلي للمجلس وبموجب قانون مجالس المحافظات أي عضو يتغيب أربع جلسات متتالية بعد اكتمال النصاب، دون حجة مقنعة، يتم إنهاء عضويته، لكن هذا الإجراء لم يُنفّذ.

محمد الحافظ طلب مجدداً من الحزب الديمقراطي الكوردستاني العودة لاجتماعات مجلس المحافظة، وشدد في المؤتمر الصحفي الذي عقد ليلة أمس على أن المواطنين سيرون مجلساً "حقيقياً" ولم يخف بأن الخلافات والمقاطعة أدت إلى تعثر عمل المجلس.

للخلافات حول إدارة وتوزيع المناصب في كركوك تاريخ طويل، ولهذا السبب لم تُجرَ في المحافظة سوى عمليتين انتخابيتين لمجلس المحافظة إحداها كانت في عام 2005، والأخيرة عام 2023.

بموجب قانون انتخابات مجالس المحافظات رقم 12 لسنة 2018، يتم تقاسم السلطة بتمثيل عادل بما يضمن مشاركة مكونات المحافظة بغض النظر عن نتائج الانتخابات، حسبما جاء في المادة 35 الخاصة بمحافظة كركوك.

إبان فترة حكم نظام البعث، كانت معظم المفاصل الرئيسية للحكم في كركوك بيد المكون العربي دون إجراء أي انتخابات، وبعد عام 2003، تسنم الكورد قمة السلطة التنفيذية حتى عام 2017. واستعاد المكون العربي منصب المحافظ بعد أن تم تنصيب نائب المحافظ راكان سعيد الجبوري، محافظاً لكركوك، قبل أن يستعيد الكورد المنصب في 2024 بتنصيب ريبوار طه محافظاً، والآن أصبح المنصب بيد التركمان.

أول محافظ لكركوك، بعد انتخابات مجلس المحافظة عام 2005، كان عبد الرحمن مصطفى وهو من المكون الكوردي وفي عام 2011 انتخب نجم الدين كريم عن المكون الكوردي/ الاتحاد الوطني، محافظاً لكركوك من قبل نفس المجلس، وبعد ستة أعوام تم استبعاده من المنصب بقرار من البرلمان العراقي.

بعد عام 2003، واستناداً الى مشروع طرحه رئيس الجمهورية العراقي الأسبق والسكرتير السابق للاتحاد الوطني الكوردستاني، الراحل جلال الطالباني، تقرر توزيع المناصب الإدارية في محافظة كركوك بنسبة 32 بالمائة لكل من الكورد، العرب والتركمان الى جانب تخصيص نسبة 4 بالمائة للمكون المسيحي، المشروع أُقِرّ في مجلس محافظة كركوك في 28 تموز 2009، رغم أن هذا الاتفاق لم يمتد للمناصب الأخرى.

تعتبر محافظة كركوك (تعدادها أكثر من مليونين و34 ألف نسمة) منطقة متنازع عليها بين الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كوردستان ويرتبط حسم مصيرها بتنفيذ المادة 140 من الدستور التي تتضمن ثلاث مراحل هي التطبيع التعداد والاستفتاء.

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT