من البیئة

مبيدات محظورة، مهربة ومنتهية الصلاحية
مزارعون ومزارعات ضحية الجشع والفساد في ظل رقابة ضعيفة

  • 2026-01-17
مبيدات محظورة، مهربة ومنتهية الصلاحية<br>مزارعون ومزارعات ضحية الجشع والفساد في ظل رقابة ضعيفة
نور مهدي، نغم مكي، ريتا عمانوئيل

تنشط النساء في قطاع الزراعة في العراق بشكل مضاعف عن الرجال، وفق ما يظهر مسح القوى العاملة 2021، والصورة مشابهة كثيرًا في إقليم كردستان. مع ذلك، فإن المزارعات هن الأكثر تأثرًا بالأوضاع الاقتصادية الضاغطة التي تدفع المزارعين، في ظل غياب دعم الجهات الرسمية، إلى زيادة إنتاجهم وحماية محاصيلهم من خلال استخدام مبيدات الآفات. لذا يُقبل معظمهم على مبيدات محظورة ومهربة لرخص أسعارها مقارنة مع تلك الخاضعة للقوانين العراقية، رغم أضرارها الصحية الجسيمة، خاصة على المزارعات.

يكشف هذا التحقيق انتشار مبيدات محظورة وفق القوائم الصادرة عن وزارة الزراعة. ويظهر كيف يتحايل تجار المبيدات، المستوردين وأصحاب المكاتب والمحال، على القانون وأجهزة الرقابة، مستفيدين من الثغرات والفساد لدى بعض العناصر، ومستغلين حاجة المزارعين الذين يعيشون واقعًا صعبًا كما أظهرته نتائج استبيان أجراه فريق التحقيق في دهوك ونينوى والبصرة، مبينًا أن غالبية المشاركين 91.5% يستخدمون المبيدات الحشرية والمستوردة، وأن 28.5% يستخدمون مبيدات مقيدة أو محظورة.

02-1

لعقود اضطلعت زينب، بوصفها كبيرة العائلة، بمسؤولية رش المبيدات، تشتريها من بغداد فيما تحصل على قسم من استهلاكها من مديرية الزراعة، "أرش المبيدات بيدي، وكيماوي وحتى زبل الدجاج نحطه للزرع، والمبيدات أحطها على ظهري بالدبّة وأرشّهم". تحمل زينب دبّة المبيد على ظهرها وتبدأ رش الأشجار، بلا وقاية، للقضاء على العقارب وأنواع من الأفاعي السامة، "هيچ تعلمنا، نرش بإيدينا لا كمامات ولا كفوف".

وفي كل مرة، كانت المبيدات تقضي على الأفاعي وتصيب زينب بعوارض الاختناق بروائحها. ما زالت تتذكر تداخلَ روائح المبيدات بطعم الأرز الذي تُعده بعد العمل، فيما تتسلل بقايا مخلفات قذائف قديمة قرب البساتين إلى مياه الري.

لم تكن زينب تعلم أن رحيلها قسرًا عن مزرعتها هربًا من الموت المعلن، سيكون بداية مواجهة شبحه في مرحلة ما بعد النزوح، بعيدًا عن مزرعتها.

بعد أسبوعين فقط من نزوحها جنوبًا، شعرت بألم في الصدر، وبعد مراجعة الطبيب علمت بإصابتها بسرطان الثدي فخضعت إثر ذلك لعمليتين، الأولى استئصال الورم من ثديها عام 2015، والثانية بعد أربع سنوات.

عادت زينب إلى تلعفر، لكن بدل التنقل بين الأشجار في بستانها تواظب على مواعيد العلاج الكيماوي وإبر العظام الباهظة التي تثقل كاهلها، وتزيد من صعوبة العيش. لا تملك زينب جوابًا قاطعًا من طبيبها عن أسباب إصابتها بالسرطان، لكنها تعرف أنها كانت مكشوفة أمام المخاطر.

"المبيد، الحرب يمكن الإثنين، بس إحنا ما كنا محميين أبد"

زينب، ليست الضحية الوحيدة لتعرض غير مدروس للمبيدات على مدى سنوات. تعد نينوى إحدى أكبر المحافظات الزراعية في العراق والأعلى من حيث استهلاك المبيدات بين المحافظات وفق إحصاء 2024.

وإذ تشير خبيرة التلوث، الدكتورة بلقيس سهيم العلي، إلى تسبب المبيدات بأمراض سرطانية أو تشوهات على المدى البعيد من خلال تراكم متبقياتها في البيئة، وانتقالها عبر السلسلة الغذائية من الكائنات الحية مثل الأسماك إلى الإنسان، تكشف الأرقام الصادرة عن مركز الإحصاء السرطاني 2023، عن واقع صحي مقلق للنساء في نينوى، إذ تشكل النساء 58% من الحالات المسجلة، كما تُظهر تصدرَ سرطان الثدي ترتيب أنواع الحالات المسجلة، وأن الفئة العمرية الأكثر تأثرًا هي الواقعة بين 50-54، كحال زينب.

 

 

انكشاف مماثل في البصرة

بين حقول الطماطم في منطقة المويلحات جنوب غرب البصرة، كانت الأرملة أم ماجد (57 عامًا) تخلط السم بيديها العاريتين، غير مدركة أخطار "الخايص" ولا "القويطيع" اللذين تشتريهما بآلاف الدنانير. تقول بصوت منهك: "كان عمري أربعة عشر أو خمسة عشر سنة لما بديت، أنا وأخوي، هو يزرع الطماطم وأنا أرش الزرع".

قضت أم ماجد فترة شبابها بالعمل الشاق في المزرعة تخلط المبيد بنفسها وتعده للاستخدام، تملأ البراميل بلترات المبيدات، وترش الزرع بلا كمامة ولا قفازات واقية.

"ألف على أيدي علاگة (كيس نايلون) وأصبه بالمشاعيب، ومرات ألف فوطة على خشمي حتى أقدر أشم، وبعدها نگعد نتغدى وطبيعي"

بخطواتٍ بطيئة يثقلها وجع المفاصل، تسير أم ماجد نحو سريرها ثم تتوقف برهة لتكمل شرحها، "من تخضر البذرة نستخدم الخايص، ومن يكبر شوية الزرع نرشه سوبر، ونعير الزرع بقويطيع، هذا نسويه بالشهر، وبعدها من الزرع يفتح نرشه دورسبان".

 

03 copy

كان التاجر هو الناصح بكيفية الاستخدام، "نشتري من البياع، هو يعطينا وصفة الاستخدام"، وبعد كل رشّ، تصاب بعوارض الاختناق والقرصة الجلدية.

بقيت أم ماجد على هذا الحال إلى أن تدهورت صحتها وشُخِّصت إصابتُها بسرطان الرحم.

أم ماجد، هي أيضًا كما حال زينب، أقصاها المرض عن الزراعة، تقول بحسرة، "كنا نعتمد بس على كلام البياع، والناس أكثرها أمية ما تعرف تقرأ ولا تكتب".

تشاركها الحسرة أم وسام (55 عامًا) في قضاء خور الزبير حيث تعيش على ذكرى مولودها الأول الذي توفي بعد الولادة، "لا عدنا وراثة ولا عدنا شي". تربط أم وسام خسارتها هذه بعملها لسنوات في الزراعة ورش المبيدات. ظنُّها له صدى، إذ تشير الأبحاث إلى صلة بين التعرض للمبيدات الحشرية خلال فترة ما قبل الحمل والثلث الأول من الحمل وولادة جنين ميت.

كانت أم وسام، على غرار زينب وأم ماجد، ترش المبيد من غير دراية، "نجيب المبيدات بكيفنا، نفرغها بالبراميل ونخلطها بإيدينا ونرش وحتى ساعات ننسى نمسح ايدينا وناكل". والآن مثلهما، أبعد المرض أم وسام عن الزراعة؛ صعوبة شديدة في التنفس والتهاب مزمن في الرئتين وتحسس شديد في القصبات الهوائية، بالإضافة إلى انسداد في الشرايين، وأربع عمليات قسطرة قلب منذ عام 2014 حتى 2023.

لم تتلق أم وسام تحذيرًا من المخاطر أو دعمًا لازمًا، وتقول لائمة: "عمري ماشفت لا مهندس زراعي ولا مَلاكْ (صاحب الأرض) يجيبه لو أحد يطلع مثل الحكومة تدعم الفلاح، ما صار اللي صار".

 

04 copy

 

مبيدات الآفات سمٌّ يتسلل إلى أجساد المزارعين والمزارعات

يسبب تعامل الأشخاص مع كميات كبيرة من مبيدات الآفات بتعرضهم للإصابة بتسمم حاد أو آثار صحية طويلة الأمد قد تشمل السرطان والآثار الضارة على الإنجاب، وفق منظمة الصحة العالمية.

وقد أظهر الاستبيان الذي أجراه فريق التحقيق وشمل مئتي مزارعٍ ومزارعة، في دهوك (56) ونينوى (77) والبصرة (67)، أن الحساسية أو الطفح الجلدي وضيق التنفس من الأعراض الأكثر انتشارًا بين المزارعين بعد التعرض للمبيدات.

 

05 copy

وفي حين ينفي المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، سيف البدر، رصد الوزارة حالات بسبب المبيدات، كان لافتًا أن غالبية المشاركين في الاستبيان لم يراجعوا الطبيب أو لا يراجعونه، ما قد يفسر غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة لحجم وأثر المبيدات الشديدة السمية على صحة المواطنين. علمًا أن هذه الأعراض تطال عوائلهم أيضًا، إذ أشار 14% من المشاركين في الاستبيان إلى إصابة أحد أفراد عائلتهم بأمراض قد تكون مرتبطة بالمبيدات.

يربط مسعود حسين موسى، الأستاذ في كلية الزراعة- قسم الوقاية في جامعة دهوك، بين استخدام المزارعين المبيدات والأعراض التي يعانون منها، مشيرًا "إلى تأثيرها على الأطفال والحوامل، إذ قد تسبب انخفاضًا في معدل الذكاء أو تشوهات خلقية في حال تعرض الأم لمبيدات قوية". فيما شدد الدكتور عمار حازم حامد، استشاري الأمراض المشتركة في دائرة صحة نينوى، على أن الاستخدام المتكرر يؤدي إلى تراكم المواد المسببة للأمراض السرطانية، والإجهاض والتشوهات.

وتُظهر الدراسات العلمية وجود علاقة مقلقة بين التعرض لمبيدات شائعة في العراق وأمراض خطيرة تصيب النساء. تبين دراسة أن زوجات مستخدمي الكلوربيريفوس في منازلهم تعرضن لخطر متزايد بشكل ملحوظ للإصابة بسرطان الثدي. كما تشير أبحاث أخرى إلى تأثير التعرض لمبيد الملاثيون، إلى جانب الديازينون، سلبًا على الجهاز التناسلي للإناث، وإلى ارتباط الملاثيون بزيادة خطر الإصابة بسرطانات الرحم والمبيض والتأثير السلبي في الخصوبة على المدى الطويل.

 

ضعف الدعم والرعاية

شهادات زينب وأم ماجد وأم وسام تظهر ضعف الدعم والرعاية المقدمين خلال العقدين الماضيين، خاصة من ناحية التوعية والتدريب على حسن استخدام مبيدات الآفات، وطرق الحصول الآمن عليها للوقاية أو علاج المحاصيل.

وفي هذا السياق تلفت حنان صادق، مهندسة زراعية وصاحبة مشتل في البصرة، إلى ضرورة تنبه وزارة الزراعة لدعم المزارعات تحديدًا، موضحة أن المرأة هي المسؤولة عن العائلة وتوفير احتياجاتها.

"أكيد من راح تتمرّض راح تتأذى هاي العائلة وتتضرر اقتصاديًا"

06

 

وتضيف خولة سليم، ناشطة اجتماعية وبيئية، تعمل في منظمة "جين جازان" أي "البيئيون" في دهوك، أن غياب الدعم والرعاية لا يشجع خريجات كلية الزراعة على العمل في الزراعة، "اللي يشتغلون أغلبهم من الفئات الاقتصادية الضعيفة، وما عدهم خبرة أو ثقافة البحث أو التعلم. يعتمدون على طرق قديمة جدًا. إحنا هسه نحتاج خبرة علمية لأن الظروف البيئية تغيّرت".

الظروف تغيرت، لكن لم يتحسن الوعي بالمبيدات، المحظورة والمقيدة وفق قوائم اللجنة الوطنية لتسجيل واعتماد المبيدات التابعة لوزارة الزراعة، أو المغشوشة، وبشروط الاستخدام، والإجراءات الوقائية اللازمة.

فقد أظهر الاستبيان أن 43%؜ منهم لا يعرفون ماذا يستخدمون من أنواع المبيدات ولا أسماءها، ولا إذا ما كانت مادتها الفعالة مسجلة أو مرخصة. وأكثر من نصف المشاركين لا يقرؤون إرشادات الاستخدام وشروط السلامة كما يجب، وما يقارب نصفهم لا يلتزمون بارتداء معدات الوقاية.

مع الإشارة إلى أن 66% مشاركًا لم يتلقوا أي دورة تدريب وتوعية بالاستخدام الآمن للمبيدات.

 

07
 

 

أسباب إقبال المزارعين على شراء مبيدات محظورة من المتاجر

أحمد علي (24 عامًا) يسكن قرب مزرعته في تلعفر حيث يزرع العنب، والتين، والفاكهة، والقمح، منذ ثماني سنوات. كغيره من المزارعين، لم يتلق تدريبًا وغير مطلع على قوائم المبيدات المحظورة، يعتمد على التاجر في محل المبيدات، في غياب مهندس زراعي يقدم الإرشاد الصحيح، ويعدُّ بنفسه الخلطات في المنزل أحيانًا، ما سبب معاناته من الأكزيما منذ سنوات، رغم ارتدائه القفازات.

"تصير حكة وحرارة بيدي، أراجع الطبيب تتحسن يومين وترجع… يوميًّا أستخدم مرهم"

نصحه الطبيب بالتوقف عن استخدام المبيدات الحشرية، لكن أحمد يجد نفسه مضطرًا إلى الاستمرار رغم الألم الذي يشتد ليلًا، "هذا شغلنا… ما أكدر أتركه".

يتمسك أحمد برشّ الزرع بالمبيدات على أنواعها لا سيما الحشرية، بهدف حماية زرعه وزيادة إنتاج محصوله، لكن ذلك يسبب ضررًا لأسرته أيضًا الذين أصبحوا يعانون من الحساسية من جراء الرائحة التي يحملها الهواء من المزرعة إلى المنزل.

 

08

09
10

يدفع الواقع الاقتصادي الصعب وغياب الدعم المطلوب من قبل الجانب الرسمي أو المنظمات، المزارعين إلى خيارات غير آمنة. وفي هذا السياق، يحذر محمد طه عبد الجبار مهندس زراعي- قسم البستنة والحدائق في مديرية زراعة البصرة، من استمرار استخدام مبيد الفايديت Vydate، ومادته الفعالة Oxamyl، المحرم دوليًا المسبب لحالات العقم، "يأتي المبيد من منشأ صيني وسعره منخفض"، علمًا أن هذا المبيد ضمن المبيدات المقيدة والمقيدة بشدة وفق قائمة 2013، ومحظور في القائمة المحدثة 2025. كما يلفت موسى الأستاذ في كلية الزراعة- قسم الوقاية في جامعة دهوك، إلى أن "بعض المبيدات المتوفرة الآن مثل الباراكوات، لا تزال موجودة بعدد محدود لعدم توفر بديل واضح لها".

وقد أظهر الاستبيان أن غالبية المشاركين 91.5% يستخدمون المبيدات الحشرية والمستوردة، وأن 28.5% منهم يستخدمون مبيدات مقيدة أو محظورة.

 

11
 

 

جولة ميدانية في البصرة

12

"أشتري المبيد من أبو الزراعة ما أقرأ العلبة"

وفي جولة ميدانية في البصرة خلال شهر أيلول سبتمبر الماضي، رصد فريق التحقيق توافر وبيع مبيدات زراعية محظورة ومقيدة في أحد المشاتل.

في البداية أكد صاحب المشتل أنها غير متوفرة وأن منها ما أصبح ممنوعًا منذ وقت قريب، لكنه عاد وأقرّ ببيعها رغم الحظر والقيود، مشيرًا إلى أنه يحصل عليها من تاجر رئيسي "قوي الظهر" (ذي نفوذ)، حسب وصفه.

وثَّقَ الفريق وجود أربعة مبيدات محظورة أو مقيدة أو منتهية الصلاحية (تاريخ النفاذ حزيران يونيو) تم شراؤها من هذا المشتل، شملت:

 

13 copy
 

 

اللجنة الوطنية لتسجيل واعتماد المبيدات- القوانين الناظمة

14

ويتوجب على الشركة التجارية أو وكيلها التقدم بطلب يتضمن معلومات علمية وفنية وافية تشمل اسم المبيد والآفة المستهدفة وشهادة بلد المنشأ، دراسات السمية، التحاليل، التركيبية والعبوة، ووثيقة السلامة.

تراجع اللجنة الطلب وإذا استوفى الشروط، يُعرض في جلسة تُعقد لغاية اتخاذ القرار بالموافقة على التسجيل. بعد الموافقة، يُحال المبيد إلى المركز الوطني للسيطرة على المبيدات للفحوص المختبرية، وإذا اجتازها يُنفَّذ التقييم الحقلي من قبل باحثين مختصين بعد تسديد الرسوم. وحسب المتحدث باسم وزارة الصحة، فإن جميع المبيدات المسجلة تخضع لشروط وتعليمات منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومركز بحوث السرطان، ووكالة حماية البيئة، والاتحاد الأوروبي.

يُلزم القانون بأن تحمل عبوة المبيد معلومات واضحة عن المادة الفعالة والتشغيل والتواريخ والمنشأ، والتحذيرات ورمز السمية وطريقة الاستخدام.

 

15
 

 

استغلال التجار للثغرات القانونية

16

رغم القوانين الواضحة، تساهم عوامل عديدة في إغراق السوق العراقي بشكل عشوائي بمبيدات محظورة أو متداولة من دون تسجيل أو الخضوع لإجراءات السيطرة النوعية للتأكد من موافقتها لشروط السلامة وإرشادات الاستخدام الآمن.

يكشف عبد الجبار مهندس زراعي- قسم البستنة والحدائق في مديرية زراعة البصرة، عن ثغراتٍ في نظام تسجيل المبيدات، موضحًا أن الوزارة تعتمد لوائح الاتحاد الأوروبي في تسجيل المبيدات، لكن بعض المستوردين يخشون من خسائر مادية جراء صدور حظر أوروبي للمادة نفسها قبل إكمال التسجيل، "هذا الأمر دفع بعض التجار والشركات إلى إدخال المبيدات دون تسجيل رسمي".

كما يشرح موسى الأستاذ في كلية الزراعة- قسم الوقاية في جامعة دهوك، أن "الشركات التي تطرح مبيدات مسجلة تدفع رسومًا للحكومة وتُجري تجارب لإثبات الفعالية، وهذه التكاليف تُضاف إلى سعر المنتج، أما المبيدات غير المرخصة فلا رسوم ولا تجارب، ولهذا تُباع بأسعار أرخص".

رخص أسعار المبيدات غير المسجلة أو المهربة يفسر جانبًا من أسباب إقبال المزارعين عليها، بالرغم من الأضرار التي تلحق بصحتهم من جرائها، لا سيما في ظل نقص الدعم رعائيًا أو اقتصاديًا من قبل الوزارات والمنظمات المعنية، كما ذكرت شهادات العديد منهم ومن خلال الإجابات على الاستبيان.

وهذا ما يجعل الفلاح ضحيةً للشركات التجارية، بحسب رعد كريدي العبادي، رئيس الاتحاد المحلي للجمعيات الفلاحية التعاونية في البصرة، الذي يؤكد مواجهة الفلاح خطورة حقيقية بسبب انتشار المبيدات الزراعية بكثافة، لكنها لا تخضع جميعها للسيطرة النوعية.

وتتفق معه صادق، مهندسة زراعية وصاحبة مشتل في البصرة، إذ تشدد على أهمية تسهيل الحصول على المبيدات الآمنة، مشيرة إلى ضرورة محاربة الفساد.

"هواي أكو فساد بهذا الموضوع أكو هواي يعني يراد لرقابة ويراد لجان نزاهة"

من جانبه، يلفت عبد الحميد فتح اليوسف، رئيس اتحاد جمعيات الفلاحين في نينوى، إلى لجوء بعض المكاتب التجارية إلى ممارسات غير نزيهة لبيع مبيدات مغشوشة أو منتهية الصلاحية، "تزيل الملصق الأصلي وتستبدله لتجنب الخسارة عند بقاء المبيد في المخزن". ويوضح أن الفلاح لا يميز بين العبوة الأصلية والمغشوشة، "يشتريها معتقدًا أنها سليمة ما ينعكس سلبًا على محصوله وصحته".

كلام اليوسف يتوافق مع إشارة عبد الجبار إلى مشكلة التقليد، إذ يشبّه تنوع الأسماء التجارية المختلفة، والمستوردة من المقلدة في الصين، كمن يسير في طريقٍ طويلٍ من الأسماء لا نهاية له. فيما توضح فاطمة (اسم مستعار)، موظفة في دائرة الزراعة في البصرة، أن فعالية المبيدات تعتمد على المادة الفعالة التي قد يستمر تأثير بعضها لأسبوعين أو شهر، وأحيانًا لسنوات، مبينة أن المادة الفعالة قد تكون هي نفسها، ولكن تُباع تحت أسماء تجارية مختلفة حسب الشركات.

 

17

وتشير سناء صخر، مشرفة قسم الوقاية في شعبة زراعة سفوان التابعة لمديرية زراعة البصرة، إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في استفادة أصحاب مكاتب ووكالات مبيدات من انفتاح الحدود وحرية الاستيراد في الوقت الحالي. وتقول: "في السابق كنا نزودهم نحن بالمبيدات، لكن بعد عام 2003 أصبح أصحاب المكاتب هم من يشترون المبيدات بأنفسهم لرخص أسعارها في الأسواق، إلا أن هذه المبيدات لا تدخل عن طريق وزارة الزراعة وإنما عبر استيراد خاص".

واللافت أن قيمة الواردات الإجمالية من المبيدات إلى العراق خلال عقد واحد، من 2011 إلى 2021، زادت ثلاثة أضعاف، فيما يظهر تقرير الاستيرادات 2024 اعتماد العراق بشكل كبير على الصين وإيران والأردن لاستيراد احتياجاته من السلع للاستخدام الزراعي، خاصة المبيدات الحشرية.

وإذ تؤكد صخر مطابقة المبيدات التي تستوردها وزارة الزراعة للمعايير، تقدر أن نحو 25 إلى 30% من المبيدات التي يستوردها أصحاب المكاتب الخاصة غير آمنة. وتضيف: "مبيد الميثوميل، الذي يُستخدم بكثرة في مزارع الطماطم، يُباع بسعر منخفض نحو 3500 دينار (ما يقارب دولارين) للمغلّف"، وأنه متوفر "عند أصحاب المكاتب نفسهم أو التجار في بغداد السنك".

 

 

 

تهريب عبر المنافذ

وهذا ما قاد فريق التحقيق إلى منطقة السنك في بغداد، حيث أدلى بعض التجار والمسؤولين في شركات استيراد المبيدات بمعلومات ليست للنشر لكنها تتقاطع مع ما ذكرته مصادر أخرى قبلت الحديث مع فريق التحقيق، ولكن من دون ذكر أسمائها، عن كيفية وصول مبيدات محظورة وغير مسجلة إلى الأسواق.

وفق مصدر طلب عدم الكشف عن اسمه، تصل إلى دهوك كميات من المبيدات المحظورة أو غير المسجلة عبر التهريب، "بعض المزارعين يشترون مبيدات غير مسجلة أو مبيدات جديدة تدخل للمنطقة، وتكون غير معروفة بعد، من الموصل، وأحيانًا تدخل المبيدات عن طريق التهريب (القجخ)، لكن هذه النسبة قليلة، ربما تصل 5 إلى 10% فقط".

وهذا ما نفاه مسؤول شعبة وقاية النبات في مديرية زراعة السميل، لؤي محمد عبدو، رغم أنه لفت إلى أن "الوضع أفضل من قبل". وأضاف "أصبحت هناك توعية أكثر وتشديد على المكاتب الزراعية فيما يخص المبيدات المسجلة فقط"، موضحًا أن هناك متابعة شهرية للمكاتب الزراعية، لتقييم المبيدات المسجلة وشهادات التسجيل، وتاريخ الصلاحية، "وإذا توجد مخالفات يمنع بيعها".

لكن صاحب مكتب مبيدات في دهوك، طلب عدم الكشف عن اسمه، أكد دخول "كميات محدودة جدًا من المبيدات غير المسجلة عبر بغداد، بواسطة نقليات صغيرة تنقل بطرق غير شرعية، وأحيانًا تخفى داخل كراتين عادية أو تمر عبر مناطق مثل سد الموصل".

 

18

تمكن فريق التحقيق من التواصل مع مصدر جمركي في الجنوب، قاسم سعد (اسم مستعار)، لمطابقتها مع الروايات التي جُمعت خلال جولة الفريق في أسواق دهوك والسنك، وأيضًا البصرة.

كشف قاسم سعد عن آليات تسهيل دخول مبيدات محظورة إلى العراق عبر المنافذ الحدودية. إذ أكد أنه رسميًا تُمنع بعض الشحنات، لكن ضغوطًا واتصالات من جهات نافذة قد تغيّر القرار خلال ساعات، فـ "قانون القوة" كما يصفه، يتغلب على قانون الجمارك، "تدخل قوي أقوى مني ومن الموجودين كلهم".

وشرح طرق تحايل المستوردين على القانون لإدخال المواد المحظورة، مثل تعبئتها داخل عبوات مرخّصة تجاريًا تحمل أسماء مواد آمنة "تتبدل عبواتها جوا كلها جاية خارج". ويضيف أن عمليات التبديل والتغليف لا تتم داخل العراق، بل إن الشحنات تصل جاهزة ومغلّفة بواجهات تجارية مزيفة، "يبدلون العبوات ويبدلون الأسماء المادة مو نفس المادة"، تُستبدل الأسماء واللوغو التجاري وأسماؤها العلمية "يغيروها بإيران هناك بالتحميل وجاية مگفرة وكاملة".

كلام قاسم سعد يتقاطع مع ما ذكره العبادي عن أن "هناك موادًا تدخل البلاد باسم دولة معينة، لكنها في الواقع مُصنَّعة في دولة أخرى، ويتم تغيير شعارها خارج العراق لتُسوَّق محليًا تحت اسم مختلف، ما يجعلها خارج نطاق الرقابة النوعية الفعلية".

ويتابع قاسم سعد، أن داخل المنافذ مكاتب تخليص تابعة لجهات متنفذة تتحكم بالسيطرات، ومواعيد المناوبات، بينما تُدفع رشى تتراوح بين 3 آلاف و20 ألف دولار لتسهيل إدخال كل شحنة، وتختلف أحجام الشحنات، فبعضها مختلط يصل إلى نحو 10 أطنان، بينما تأتي شحنات صافية تبدأ عادةً من 24 طنًا وتصل أحيانًا إلى ما بين 10 إلى 80 طنًا بحسب نوعية الحمولة وطبيعة الحاويات، لذلك لا يوجد وزن ثابت للشحنة، "المخلص هو اللي يدفع هاي الرشوة للموظف الي يطلع السيارة". لافتًا إلى أن بعض السيارات تُؤخر في السجلات عمدًا إلى حين ترتيب أمر تمريرها، ثم تُدرج لاحقًا كمواد (سليمة).

تتمكن الشركات المتورطة من التحايل بشكل متكرر على الجهات الرقابية، وفق ما يوضح قاسم سعد، من خلال تغيير أسمائها بعد ضبطها لتعود للعمل مجددًا، "الشركات الي تحترگ اكثر من مرة هم دائما يكلولهم بدلوا أسماء الشركات".

وإذ يشير إلى البدء بتغييرات من ناحية تطوير التقنيات المتبعة للرقابة، إلا أن المعتاد هو أن أجهزة الفحص والمراقبة إما معطلة أو تُستخدم شكليًا، "يكولون عطلان وطبعًا ياخذون رسوم السيارة الي تجي"، فتُجبى رسومها دون تنفيذ حقيقي. ويختم بالقول إن هذه المبيدات، عالية السمية والمحرّمة بموجب اتفاقية ستوكهولم  تدخل البلاد "أمام أنظار الجميع، لكن بصمتٍ متفق عليه".

 

ضعف الرقابة والتحديات كبيرة

19

تقرُّ نجلاء الوائلي، مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة، بتحديات مختلفة تؤثر على العمل الرقابي، أهمها المنافذ، "لأن أكو بعض المنافذ مو مسيطرين عليها أو يصير جهل بالمادة اللي تدخل"، مؤكدة رصد "عدد كبير من المبيدات غير مسجّلة وغير حاصلة على الموافقة بإدخالها، يعني مهربة وتغزو كثير من الأسواق". كما لفتت إلى أن بعض التجار "يتلاعبون، يقومون باستيراد عدد من المبيدات الخطرة أو غير الجيدة أو غير المفحوصة، ويدخلونها بأسعار رخيصة للأسواق"، رغم القوانين والإجراءات الواضحة من قبل الجهات الحكومية.

في المقابل توضح الوائلي أن اللجنة المعنية طالبت بسحب هذه المبيدات ومصادرتها من قبل الدولة، لكن منحت أصحابَ المحلات والمستوردين مهلة لنهاية 2025، ليقدّموا "طلباتهم بسرعة حتى يحصلون على الموافقة قبل مصادرتها، حتى لا يخسرون، وأيضًا حتى نوقف جميع المبيدات غير المجازة من وزارة الزراعة".

وتضيف الوائلي أن غياب سلطة فرض النظام لدى وزارة الزراعة، مثل الشرطة البيئية، للتنسيق مع المنافذ، دفع إلى بذل جهود تنسيقية بين الوزارات المعنية، خصوصًا وزارة الزراعة وهيئة المنافذ، من أجل وضع آلية للسيطرة على دخول هذه المبيدات.

ومن ضمن التحديات، حسب موظف في الهيئة العامة للجمارك تحدث إلى فريق التحقيق، ضعف البنى التحتية والمختبرات وأجهزة الكشف والكلاب البوليسية، مشيرًا إلى دور التنسيق مع الإقليم في إتمام السيطرة على المنافذ الحدودية. وإذ أشار إلى أن مهمة الهيئة تنفيذ قوانين الجمارك، وأن المبيدات الزراعية تُصنَّف بضائع مقيدة ولا يُسمح باستيرادها إلا بعد الحصول على موافقات من الجهات الأمنية، أشار في المقابل إلى تداخل الصلاحيات بين جهات إنفاذ القانون، حيث كل جهة تدعي صلاحيتها، كلمن (يگول يمي).

حاول فريق التحقيق لمرات عديدة الحصول على تعليق من الهيئة العامة للمنافذ الحدودية، وجاء الرد: "يمكنكم مقابلة المسؤولين المختصين في وزارة الزراعة أو وزارة البيئة وذلك حسب الإختصاص".

أما وزارة الزراعة، فرغم محاولات فريق التحقيق المتكررة والحصول على الموافقة المبدئية لإجراء مقابلة مع مديرية الوقاية، إلا أن التجاوب لم يتم حتى لحظة كتابة هذه السطور.

 

حلول مقترحة لمعالجة أزمة المبيدات في العراق

20

يجمع الخبراء على ضرورة ضمان زراعة آمنة والحفاظ على صحة المزارعين والمستهلكين عمومًا، والحاجة للتوعية الميدانية من الجهات المختصة والمنظمات لمساعدتهم على اختيار المبيدات الأكثر أمانًا، مع وجوب عمل أصحاب اختصاص في المكاتب الزراعية.

وتوضح شمس عبد الرحمن، باحثة في كلية الزراعة قسم وقاية النبات، أن ضبط ملف المبيدات يحتاج إلى تعزيز الرقابة وتطوير الإرشاد الزراعي، من خلال تحديث القوانين الخاصة بالاستيراد والتوزيع، وتشديد العقوبات لمنع التهريب، إضافة إلى اعتماد قواعد بيانات رقمية وتدريب كوادر المنافذ الحدودية.

وتؤكد فاطمة (اسم مستعار) من دائرة الزراعة- البصرة، أهمية رفع وعي المزارعين حول المواد الفعالة، خاصة أن المبيد الواحد يُباع بأسماء تجارية مختلفة، ما يتطلب تدريبًا وإرشادًا مستمرًا. كما توضح المشرفة صخر من البصرة أن الالتزام بالتوجيهات الفنية الخاصة بالمواد الفعالة وتطبيق فترات الأمان عند رش المحاصيل اليومية مهم لحماية المستهلك.

من جهتها، توضح الوائلي أن هناك سعيًا للعمل على "تطوير المختبرات البيئية حتى تراقب استخدام المبيدات بطريقة أدق"، لافتةً إلى وجود خطة وطنية لدعم البدائل الحيوية للمبيدات الكيميائية، تشمل توعية الفلاحين والمزارعين بطرق الزراعة الحديثة والذكية مناخيًا، "نريد نوصل فكرة إن المبيد مو دائمًا هو الحل، أكو حلول طبيعية وبيئية أكثر أمانًا". كما تركز الوائلي على الحاجة إلى "إشراك منظمات المجتمع المدني والجمهور وحتى التجار بوضع خطة واضحة لإدارة ملف المبيدات في العراق".

في موازاة ذلك، تقاطعت آراء الخبراء ومطالبات المزارعين على ضرورة تمكين المزارعين من شراء مبيدات ذات جودة أعلى بدلًا من اللجوء إلى الأنواع الرخيصة وحماية المنتج المحلي. وأشارت الناشطة البيئية سليم، إلى أن أغلب المزارعات لا يستطعن بيع محاصيلهن، "تشوفين عجائز يبيعون خضروات بسعر قليل جدًا: بـ1000 أو 500 دينار، وماكو دعم، غير هذا الاستيراد من دول ثانية يؤثر على المنتج المحلي". وتؤيد صادق ضرورة الدعم بتسويق الإنتاج المحلي.

"ما نستورده يباع بسعر ارخص من الإنتاج المحلي"

كما تشدد سليم على تشجيع النساء للانخراط في قطاع الزراعة من خلال دعمهن بالمعدات المناسبة والخبرة العلمية لإدارة مشاريعهن وتوظيف العمال، لا سيما في دهوك حيث تكاد تكون نسبة المزارعات معدومة.

تكشف هذه الشهادات عن سوق مزدوجة؛ شركات تعمل تحت قوانين صارمة ومعايير مُكلفة، تقابلها شركات تُدخل منتجات خطرة بلا تسجيل أو رقابة، في بيئة يسودها التهريب، الفساد، وغياب المساءلة وهذا ما يجعل مسألة المبيدات في بغداد ملفًا مفتوحًا على كارثة صحية وبيئية صامتة.

أكثر

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT