أهالي سنجار يدفعون فاتورتين:
يقطعون 170 كيلومتراً وينفقون 100ألف دينار لختم معاملة

دهوك/25 كانون الأول 2024/ وكالة لتوزيع الحصة التموينية في مدينة دهوك    تصوير: عمار عزيز

عمار عزيز

يتطلب ختم معاملة مواطن من قضاء سنجار قطع مسافة 170 كيلومتر تكلفهم أكثر من 100 ألف دينار. إكمال المعاملات في دوائر سنجار أصبح كابوساً يقلق سكان القضاء.

في الوقت الذي تسيّر فيه الدوائر الحكومية الموجودة في مركز قضاء سنجار والنواحي التابعة له معاملات المواطنين بشكل يومي، إلّا أن المحطة الأخيرة لإنجاز أي معاملة هي ختم وتوقيع القائمّقام أو مدير الناحية والذي يستوجب على صاحب المعاملة الذهاب إلى محافظة دهوك، وتحديداً قضاء سيميل، لأن أختام القائمّقام ومدراء نواحي سنوني والقحطانية (تل عزير) لا زالت هناك ولم تعد إلى سنجار.

حسن خوديدا، من سكنة قرية زورافا التابعة لناحية سنوني بقضاء سنجار قال لـ(كركوك ناو)، "يصيبني كابوس حين تكون عندي معاملة، أحس فوراً بالإرهاق، لأنني أعرف بأن علي قطع مسافة طويلة وصرف مبلغ كبير لأجور النقل".

وأوضح حسن أنه "إن تطلبت المعاملة ختم وتوقيع مدير الناحية أو القائمّقام، فلا مفر من التوجه إلى دهوك لأن الختم غير موجود في سنوني".

المرة الأخيرة التي واجه فيها حسن "كابوسه" كان في الصيف الماضي حين بدأ معاملات إصدار البطاقة الوطنية له ولأفراد عائلته، "تنقلت بين سنجار ودهوك عدة مرات من أجل إكمال هذه المعاملة والحصول على البطاقة الوطنية".

تبعد قرية زورافا 50 كم عن مركز قضاء سنجار، والمسافة من سنجار إلى سيميل هي 170 كم، فضلاً عن مصاريف النقل التي لا تقل عن 100 ألف دينار لكل مرة.

"الله لا يقبل بهذا، لا أعتقد أن معاملات المواطنين تسير بهذا الشكل في أي مكان آخر بالعراق"، بحسب حسن. يعاني حسن خوديدا ومئات المواطنين غيره في قضاء سنجار من هذه المشكلة منذ ما يقرب من 10 سنوات.

في 16 أكتوبر 2017، أعادت القوات العراقية، بأوامر من رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، فرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها، من ضمنها سنجار، وأجبرت قوات البيشمركة والقوات الأمنية الأخرى التابعة لحكومة اقليم كوردستان على الانسحاب، وذلك بعد تأزم العلاقات بين بغداد وأربيل بسبب استفتاء الاستقلال في اقليم كوردستان.

على اثر ذلك، توجه قائمقام سنجار آنذاك، (محما خليل) ومدراء النواحي المنتمين إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى محافظة دهوك وأخذوا معهم أختامهم. ومن هنا بدأت قصة المعاناة الطويلة لسكان سنجار.

عيدو خلف من سكنة ناحية القحطانية بقضاء سنجار ولكنه لا يزال يعيش في مخيم للنازحين بدهوك. بدأ عيدو منذ فترة إجراء معاملة خاصة بتعويض ضحايا الحرب ضد داعش، ولهذا الغرض يتنقل بين محافظتي دهوك وسنجار.

"يجب أن أكمل جزءاً من معاملتي في سنجار، لذا ذهبت إلى هناك، لكن لكي أحصل على ختم وتوقيع مدير الناحية يتوجب علي العودة إلى قضاء سيميل بدهوك"، وأضاف عيدو، هذا الأمر مرهق ويثير استياءنا، صرفت 100 ألف دينار لهذه المعاملة، وهذا يتكرر بالنسبة لأغلب معاملاتنا الأخرى، كل ذلك بسبب الخلافات بين الأحزاب السياسية".

بعد أحداث 16 أكتوبر 2017، شكل قسم من أهالي سنجار مجلس إدارة ذاتية وعينوا قائمّقاماً لسنجار، لكن الحكومة العراقية لا تتعامل مع المجلس والقائمّقام، لذا فإن صلاحية ختم وتوقيع المعاملات بقيت عند الإدارة السابقة التي تسير أعمالها في قضاء سيميل.

في تشرين الأول 2018، أصدر محافظ نينوى آنذاك قراراً يقضي بعودة القائمّقام ومدراء النواحي إلى سنجار لكن القرار أثار احتجاجات وتظاهرات من قبل قسم من الإيزيديين.

منذ 20 نيسان 2023، يتولى جلال خلف، الذي يشغل منصب مدير ناحية، إدارة بعض شؤون القائمّقامية في سنجار، إلا أنه لا يملك صلاحيات واسعة، ولا يزال الختم بحوزة شخص آخر يُدعى نايف سيدو. يمارس سيدو مهامه في قضاء سيميل بصفة قائمّقام سنجار وكالةً.

جلال خلف، الذي يداوم داخل مبنى قائمّقامية سنجار، قال لـ(كركوك ناو) "أقوم بتمشية بعض معاملات المواطنين لكن ليس لدي ختم ويتوجب علىأهالي سنجار الذهاب إلى محافظة دهوك للختم والتوقيع"، وأضاف، "ليس لدي أي صلاحية، باستثناء استقبال الوفود الدولية التي تزور القضاء أو المشاركة في افتتاح بعض المشاريع".

Snjar
خارطة توضح المسافة بين قضاء سنجار وقضاء سيميل حيث تستغرق ساعة و49 دقيقة بالمركبة

وتابع جلال بالقول، "يجب أن لا يسكت الأهالي عما يحدث، خاطبنا مسؤولين كبار في الحكومة العراقية بهذا الخصوص لكن دون جدوى".

غالبية سكان قضاء سنجار من المكون الإيزيدي الذي كان الضحية الأكبر لهجوم مسلحي تنظيم داعش على مناطقهم في آب 2014، والذي أسفر عن تعرضهم لعمليات القتل الجماعي، الاختطاف والتهجير إلى جانب الدمار الكبير الذي لحق بمنازلهم وبالبنية التحتية لمناطقهم.

يبعد القضاء 120 كم غرب الموصل ويتبع محافظة نينوى إدارياً، لكنها منطقة متنازع عليها بين الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كوردستان.

نايف سيدو، الذي يعرّف نفسه قائمّقاماً لسنجار بالوكالة، يقيم في سيميل ومحافظة نينوى تعترف بختمه وتوقيعه. يقول سيدو " "فضلاً عن ختم قائمّقامية سنجار أحمل أيضاً ختم مديرية ناحية سنوني. كل مواطن في سنجار أو سنوني يحتاج إلى ختم وتوقيع معاملته عليه أن يأتي إلى سيميل".

وأشار سيدو إلى أنهم يقدمون التسهيلات لبعض المواطنين، حيث يمكنهم إرسال معاملاتهم عن طريق السائق الخاص للقائمّقامية إلى سيميل، وسنقوم بختمها وتوقيعها وإعادتها إليهم في حالة عدم الحاجة لوجود صاحب المعاملة.

"إذا علمنا أن صاحب المعاملة قد جاء إلينا من سنجار سنقوم بتمشية معاملته بوقت أسرع لكي يتمكن من العودة في نفس اليوم".

قضاء سيميل تابع لمحافظة دهوك ويبعد 170 كم عن مركز قضاء سنجار.

معالجة هذه المشكلة تقع على عاتق مجلس محافظة نينوى، وقد توجه أهالي سنجار إلى صناديق الاقتراع قبل عامين لانتخاب مجلس المحافظة.

أحد المطالب وراء المشاركة الايزيدية في انتخابات مجالس المحافظات كان انتخاب إدارة جديدة لقضاء سنجار تمارس مهامها في مركز القضاء.

في 2 تموز 2024، صوت مجلس محافظة نينوى لاختيار 20 شخصًا كرؤساء للوحدات الإدارية في المحافظة، من ضمنهم سيدو الأحمدي الذي اختير لتولي منصب قائمّقام سنجار، لكنه لم يباشر مهامه بسبب اعتراضات الحزب الديمقراطي الكوردستاني على الجلسة التي تم فيها التصويت.

وقال سيدو لـ(كركوك ناو)، "كافة أمورنا قانونية، بدءاً من إجراءات عملية الانتخاب والشروط القانونية، لدي خدمة 10 سنوات وأنا شخص مستقل وقد حصلت على أصوات 16 عضو في المجلس".

كل من كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وكتلة نينوى الموحدة اللتين تملكان معاً 13 مقعد من مجموع 29 مقعد في مجلس المحافظة وصفوا الجلسة بأنها غير قانونية، نتيجة لذلك لم يتمكن سيدو الأحمدي من مباشرة مهامه قائمقاماً لقضاء سنجار.

عضو مجلس محافظة نينوى، محمد جاسم، قال لـ(كركوك ناو) إن "الديمقراطي الكوردستاني يعرقل مباشرة القائمقام لمهامه رغم أن المجلس صوت عليه، لأنه يرى بأن هذا المنصب من استحقاقه".

وأضاف، "الآن نريد معالجة القضية بالتوافق، من غير المقبول أن ينتظر سكان قضاءين (سنجار ومخمور) أكثر من ذلك وتتعطل الخدمات".

في 27 كانون الأول 2026، قرر مجلس المحافظة مجدداً باتفاق الكتل، من ضمنها كتلتا الحزب الديمقراطي الكوردستاني ونينوى الموحدة، حسم عدد من المناصب الإدارية، بما في ذلك تعيين مدير ناحية القحطانية (تل عزير)، لكنه لم يباشر مهامه حتى الآن وختم مديرية الناحية لا يزال في دهوك.

وقال محمد جاسم إن "القضية سياسية ويجب حلها بأي شكل، سواء بالاتفاق أو بأي إجراء آخر، نحن لم نسكت وعلى علم بالمشكلة، سنبذل كل ما في وسعنا مع رئاسة وأعضاء المجلس، نريد حل المشكلة بصورة جدرية".

نايف سيدو -بحوزته ختم قائمقامية سنجار-، يرى ايضاً بأن القضية سياسية وأن عودة إدارة سنجار مرهونة بالتوصل إلى اتفاق، "لكن يجب أن نعلم ايضاً بأن نصف سكان سنجار لا زالوا مقيمين في اقليم كوردستان، سواء في المخيمات أو خارجها، إذا عادت الإدارة سيواجهون نفس المشكلة".

مهما كانت القصة، فإن ما يصبو إليه حسن خوديدا هو تجنب كابوس آخر ووضع حد لهذه المشكلة الكبيرة التي تعترض تمشية معاملات المواطنين، ستكون تلك "أكبر خدمة تُقدم للأهالي". 

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT