حـين تصبح الـرقابـة سلاحاً
مـن يحظى بـشرعية تنظيم الإعـلام في إقليم كوردستان؟

سلام عمر

الحرب تحرق الأخضر واليابس معاً؛ موجة تأثير عملية "الغضب الملحمي" التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران وصلت الكثير من الأماكن، من ضمنها فرض قيود على حرية الصحافة في إقليم كوردستان.

منذ بدء الحرب، أصدرت السلطات التنفيذية في إقليم كوردستان، كلّ حسب فهمها للعمل الإعلامي، العديد من البيانات والتعليمات لتنظيم السلطة الرابعة، ما أدى إلى نوع من الفوضى وخلق التساؤلات حول شرعية تنظيم العمل الإعلامي من قبل هذه المؤسسات.

إقليم كوردستان، أصبح من حيث الهجمات الملموسة وتبادل الأخبار والمعلومات، ساحة للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران منذ نهاية شباط 2026. في غياب سلطة تشريعية فعالة ونقابة نشطة، تحاول بعض المؤسسات التنفيذية في المنطقة تنظيم عمل وسائل الإعلام كبديل عن هذه الجهات المتخصصة. هذا الأمر أدى إلى خلق حالة من الخوف والارتباك لدى الصحفيين ووسائل الإعلام، حتى أن البعض قام بتغيير تغطيتها للحرب وعواقبها تحت الضغط والتهديدات.

مع صدور البيان الأول، تغير نمط التغطية الإعلامية. "لقد كان هذا الوضع مزعجاً للغاية بالنسبة لي ولزملائي"، حسبما قال نبز رشاد، مراسل مؤسسة (بوار ميديا) ​​في أربيل، حول تعليمات تنظيم الإعلام في الإقليم.

ويقول نبز، الذي يدأب على تغطية الهجمات التي تستهدف أربيل والإقليم منذ اندلاع الحرب، حول تأثير التعليمات، "نعم، لقد أثرت هذه التعليمات على عملنا بشكل كبير. لا أستطيع القيام بعملي كصحفي. لا أستطيع نقل المعلومات إلى الناس. اتصلت بي الآسايش (جهاز الأمن) وأخبرتني ألا أقوم بعملي".

وفقًا لتقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن "خطر المعلومات الخاطئة والمضللة هو ثاني أكبر (10) أخطار تواجه العالم اليوم".

wena new 2026
موقع المنتدى الاقتصادي العالمي

استياء نبز جاء بعد أن أصدر مكتب الإعلام والمعلومات التابع لحكومة إقليم كوردستان، وزارة الثقافة والشباب، جهاز الآسايش (الأمن) ووزارة البيشمركة، تعليمات بشأن تنظيم العمل الإعلامي، فضلاً عن نقابة الصحفيين.

طبيعة التعليمات تتضمن أسلوب التغطية و، مكان التغطية وقائمة من العقوبات، منها سحب رخصة العمل أو الإغلاق الدائمي. ويأتي ذلك في وقت تم فيه تنظيم العمل الصحفي في إقليم كوردستان بقانون هو قانون الصحافة في كوردستان رقم (35) لسنة 2007. القانون جعل نقابة الصحفيين جزءاَ من عملية تمظيم وعمل مؤسسات الإعلام.

من جانب آخر، تتدخل وزارة الثقافة في الإقليم بالعمل الصحفي عن طريق بعض التعليمات، بالأخص تنظيم عمل الإذاعة والتلفزيون.

من يملك السلطة القانونية لتنظيم وسائل الإعلام؟

فيما يخص تغطية الحرب في المنطقة، يتجه الوضع نحو هذا الاتجاه. في الوقت نفسه، تسيطر عدة مؤسسات تابعة للسلطة التنفيذية على توجهات العمل الإعلامي دون أن يكون ذلك من اختصاصها وجون أن تتمتع بالشروط القانونية اللازمة.

الخبير في قانون الصحافة، سامان فوزي، يقول إن "الذي يضع الحدود للعمل الصحفي هو البرلمان، ويتألف من ممثلي الشعب، لأن الإعلام هو السلطة الرابعة، نظرياً، يجب أن لا يكون تحت رحمة السلطة الثانية المتمثلة بالسلطة التنفيذية، ولذلك تم حلّ وزراة الإعلام في العراق، لأن وزارة الإعلام التي تشرف على وسائل الإعلام في العراق ينبغي ألاّ تكون تابعة للحكومة، حتى أخذ تصاريح العمل الإعلامي يجب أن لا يخضع لسلطة وزارة الثقافة".

"بعد البرلمان، من المفترض أن يكون ذلك مهمة النقابة، مسؤولية نقابة الصحفيين لا تقتصر على الصحافة المكتوبة فقط، بل تشمل أيضاً الإذاعة والتلفزيون وغيرها، ويمكنها القيام بذلك وفقاً للقانون"، بحسب سامان فوزي.

بعد البرلمان، من المفترض أن يكون ذلك مهمة النقابة

خلال العقدين الماضيين، تم تسجيل ألف و259 مؤسسة إعلامية في إقليم كوردستان، بما في ذلك القنوات الفضائية، المحلية والإذاعية، الصحف، المواقع الإلكترونية والمجلات، لدى وزارة الثقافة والشباب ونقابة صحفيي كوردستان. وفقاً لبيانات نقابة صحفيي كوردستان، فإن 51 موقعاً إلكترونياً، 138 محطة إذاعية، 31 قناة فضائية، 85 قناة محلية، 695 مجلة، و259 صحيفة تم تعليق عملها أو حوّلت إلى صفحات تنشط على موقع فيسبوك.

منذ دخول هذه المؤسسات في إصدار التعليمات، ظهرت قضيتان رئيسيتان؛ الأولى من يراقب وسائل الإعلام والثانية ما مدى خبرة هذه المؤسسات في توجيه الصحفيين ووسائل الإعلام.

فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية التي نشرت أيضاً بدورها بيانات، يقول سامان فوزي إن "بإمكانهم رفع الشكاوى وأن يصبحوا طرفاً لتحريك المدعي العام. إذا اعتقدوا أن إعلامياً ما قد (كشف) معلومات عسكرية، فيمكنهم رفع الدعوى، ولكن إذا عاقبوا وسائل الإعلام بأنفسهم، فلا، أو إذا تعاملوا مباشرة مع الإعلامي، برأيي لا".

وتقول مراسلة شبكة خندان الإعلامية في السليمانية، شهين وهاب، "قرأت القرارات والتعليمات عدة مرات واجتمعنا مع الأجهزة الأمنية وتطرقنا لهذا الموضوع".

وترى مراسلة ديبلوماتيك في السليمانية، زيليا علي بأن التغطية تغيرت بعد صدور التعليمات؛ "نزكر اسم المدينة، على سبيل المثال، السليمانية، لكننا لا نشير إلى مواقع سقوط الصواريخ أو المسيّرات، نقول فقط إن منطقة ما في السليمانية قد قُصِفت".

لا نشير إلى مواقع سقوط الصواريخ أو المسيّرات

(كركوك ناو) تواصلت مع عدد من المؤسسات الإعلامية الأخرى والتي قالت إن جهاز الآسايش شدد التعليمات ونادراً ما نقوم الآن بالتغطية.

دائرة الإعلام والمعلومات واحدة أخرى من المؤسسات التي تنشر التعليمات والإرشادات، بحسب الموقع الرسمي لحكومة إقليم كوردستان، فإن لهذه الدائرة عدة مهام، منها تقديم المعلومات عن الأنشطة الحكومية، مراقبة العمل الإعلامي في مجلس الوزراء، تنظيم المؤتمرات الصحفية، الرد على الأسئلة، توجيه الوزارات والدوائر حول كيفية التعامل مع انتقادات وملاحظات وسائل الإعلام وإنشاء علاقة مع الإعلام المحلي والدولي.

من الواضح أن مهام الدائرة لا تتطرق، لا من بعيد ولا من قريب، إلى موضوع تنظيم حرية الصحافة في إقليم كوردستان. في هذا الشأن صرح مصدر مطلع في دائرة الإعلام والمعلومات لـ"كركوك ناو" بأن "هذا قرار حكومة إقليم كوردستان؛ دائرة الإعلام والمعلومات أصدرت تلك التعليمات تحقيقاً للمصلحة العامة. الدائرة مؤسسة حكومية، وتتخذ القرارات حفاظاً على الأمن القومي وسلامة المؤسسات".

بيان دائرة الإعلام والمعلومات الموجه لكافة وسائل الإعلام والصادر في 18 آذار 2026، أوصلت الوضع إلى مستوى آخر، حين تطلق دائرة تهديدات لا أساس لها دون الاستناد إلى أي أساس قانوني.

وجاء في النقطة الرابعة من البيان، "نحذر من أن أي مؤسسة إعلامية لا تلتزم بهذه التعليمات أو تغطي أخبار الحرب والهجمات بشكل غير مهني، ستتعرض فوراً للملاحقة القضائية والعقوبات القانونية من قبل جهاز مكافحة الإرهاب في كوردستان".

وتقول النقطة الخامسة، "سيتم اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية صارمة بحق المخالفين، بما في ذلك سحب تصاريح العمل أو الإغلاق الدائم، وفقاً لبيان مجلس الأمن التابع لحكومة إقليم كوردستان في 13 آذار 2026".

سرعان ما تم تنفيذ التعليمات بحق قناة الجزيرة القطرية، حيث تم تعليق بثها في إقليم كوردستان لمدة أسبوعين. مؤسسة  "آفا نيوز" التابعة لمجموعة آفا الإعلامية ذكرت في 15 آذار أن "هذه العقوبة تأتي ضمن الإجراءات الصارمة التي اتخذها مجلس الأمن لحماية الأمن القومي أثناء الحرب".

رغم ذلك، فإن "سحب رخصة العمل أو الإغلاق الدائم" يعتبر تصعيدًا كبيرًا يستهدف العمل الإعلامي؛ في حين أن القانون الوحيد المعمول به هو القانون رقم (35) الذي ينص في المادة الثانية (الفقرة الأولى) على أنه "لا يجوز حظر الصحف أو مصادرتها".

ويقول مدير مركز ميترو، دياري محمد إنه "لا يوجد أي نص قانوني يجيز إعلاق قناة إعلامية".

"فيما يخص دائرة الإعلام والمعلومات، فإن إنشاء هذه الدائرة يهدف إلى نقل أخبار الحكومة وأنشطتها إلى الناس، وليس الإشراف على كافة وسائل الإعلام خارج الحكومة، من المفترض أن لا يكون هذا التنظيم ضمن صلاحيات الحكومة، بل تكون في يد جهة أخرى مستقلة خارج الحكومة"، حسبما اوضح سامان فوزي.

وفي هذا الصدد يقول سامان فوزي، "وفقًا للقانون (قانون الصحافة)، عندما تصدر دائرة الإعلام والمعلومات تعليمات، لا يمكنها توجيه هذه التعليمات إلى وسائل الإعلام، لأن هذه الدائرة مؤسسة رسمية تابعة لحكومة إقليم كوردستان، ولا يمكنها الحفاظ على حياديتها".

ويقول نبز بانزعاج، "حذروني وطلبوا مني أن لا أقوم بالتغطية، لكن في الحقيقة الوضع سيء جداً، لا أعرف من في دائرة الإعلام والمعلومات صاغ هذه الفكرة".

حذروني وطلبوا مني أن لا أقوم بالتغطية

بحسب سامان فوزي، فإن فلسفة وتوجه الحكومة إزاء حرية النشر والإعلام تختلف عن الموجودين خارج الحكومة، لذا فإن الأمر يقع على عاتق البرلمان، لكن برلمان كوردستان "معطّل" ولم يصدر أي قانون منذ عدة سنوات.

دار الحرية (Freedom House) مؤسسة أمريكية أُنشأت في عام 1941، تنشر هذه المؤسسة سنوياً تصنيف الحريات في العالم، ووفقاً لتصنيف 2026، يعتبر العراق، من ضمنه إقليم كوردستان، بداً "غير حر"، في مجمل التقييمات حصل العراق على (31) من (100)، وفي تقييم الحقوق السياسية حصل على (16) من (40)، وفي الحقوق المدنية (15) من (60).

نقيب نقابة صحفيي كوردستان، آزاد حمه أمين، قال لـ(كركوك ناو)، " لا يجوز المساس بأمن ومصالح إقليم كوردستان في حالة الحرب التي تشهدها المنطقة والتي مست شرارتها اقليم كوردستان، باسم حرية التعبير وحرية الصحافة".

"يجوز لجميع الجهات المعنية بالأمن القومي لكوردستان إصدار تعليمات في إطار قوانينها المعمول بها"، حسبما قال نقيب صحفيي كوردستان، دون تقديم أي سند قانوني لتنظيم العمل الإعلامي من قبل هذه المؤسسات.

ويقول دياري محمد "يجب على الجهات التي تصدر التعليمات الاستناد إلى القانون رقم (35) الذي ينص على أن الصحافة حرة ويجب أن لا تخضع للرقابة.. وأي مؤسسة تصدر تعليمات يجب أن لا تكون خلاف القانون".

كيف هو الوضع في السوق؟

للمواطنين الحق في الوصول إلى المعلومات الموثوقة، وخاصة في الحروب والصراعات، حتى يتمكنوا من اتخاذ قرارات صحيحة بشأن حياتهم والتعامل مع الأحداث.

سردشت حسن (23 سنة)، من سكنة قضاء كلار، يقول، "أنتظر الأخبار التي تتعلق بالوضع الاقتصادي والسياسي والأمني، وخاصة الاقتصاد، وكيف هو الوضع في السوق... لذلك، يجب على وسائل الإعلام أن تولي اهتماماً كاملاً لهذه القضايا وأن تتوخي معلوماتهم الدقة والصحة".

ويقول نبز إن "سكان أربيل يشعرون بقلق كبير، أصوات المسيرات ودوي الإطلاقات النارية تُسمع، ولا ينبغي مناقشة ما يحدث في الإعلام. إنه أمر خطير للغاية".

بعض الهجمات طالت مواقع للمدنيين، ويجب أن يعرف الناس ما حدث. يقول نبز إن المدنيين لا يعلمون أين سقطت الطائرة المسيرة، لا يعلمون ماذا حدث لها، ولا يعلمون ما سيحدث لهم. يجب أن تصل هذه المعلومات، وخاصة إلى المناطق التي يسكنها المدنيون، "يجب أن نُطلع العالم بشأن الضحايا".

gaz slemani 2026
السليمانية/22 آذار 2026/ عدد من المواطنين يقفون في طابور لتعبئة قناني الغاز السائل   تصوير: سلام عمر

وفقاً لمتابعة نشرها موقع بركراف في 25 آذار، خلال 26 يوماً من اندلاع الحرب قتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وأصيب أكثر من 50 آخرين في اقليم كوردستان جراء قصف الإقليم من قبل إيران والفصائل العراقية المسلحة المقربة من إيران. كما سقط أكثر من 500 طائرة مسيرة وصاروخ في مناطق مختلفة من الإقليم.

"أحياناً لا تصل الرسائل كما هي؛ وأحياناً لا تستطيع وسائل الإعلام التعامل مع الأحداث بطريقة سليمة. بعض وسائل الإعلام تقع في أخطاء".

ويقول دياري إن "" الإعلام يحمل على عاتقه واجباً كبيراً في هذا الوضع، يجب ألا ينشر الخوف والقلق، وألا يصبح أداة يستخدمها العدو للاستفادة من المعلومات المنشورة."

مؤسسة 964 الاعلامية، ومقرها في أربيل، شددت في بيان يوم الأربعاء، 25 آذار، حول التعليمات على أن "منع التغطية لم يمنع انتشار المعلومات، بل غيّر مصادرها فقط، الآن يتلقى المواطنون المعلومات من صفحات مشبوهة وغامضة على التيلجرام وصفحات التواصل الاجتماعي الفالتة ووسائل الإعلام الأجنبية، بدلاً من وسائل الإعلام النزيهة والمهنية الخاصة بنا، ما يمهد الطريق لانتشار الأخبار المضللة والدعاية وتدمير عقول الناس".

مبديةً استغرابها من تهديدات دائرة الإعلام والمعلومات للمؤسسات الإعلامية بالإغلاق وسحب تصاريح العمل تقول مؤسسة 964، "يسمع الناس دويّ انفجار ويرون أنظمة التصدي للهجمات ومنازلهم تهتز، لكن لا يعلمون ماذا حدث، هذا الأمر ينتج عنه انعدام الثقة وليس من السهل أن يصدقوا فيما بعد بالتوضيحات الرسمية المتأخرة"، لذا تطالب الحكومة بإعادة النظر بقراراتها.

رغم ذلك تقول شهين وهاب، "صحيح أن هذا إلى حد ما احتكار لوسائل الاعلام وإعطاء المعلومات أثناء التغطية، لكن من جهة أخرى إذا نظرنا بشكل عام للتغطية التي تقوم بها بعض المؤسسات الاعلامية التي تذهب إلى مواقع الهجمات، بلا شك سيؤدي ذلك إلى الإخلال بالأمن العام وأمن المجتمع ويؤثر على الحالة النفسية للمواطنين وكشف المواقع وتشكيل الخطورة على الأمن الوطني وتعطي معلومات للجهة المقابلة".

"أحياناً، تكون الفوضى السائدة، كثرة القنوات الإعلامية وضخامة الأموال السياسية المستثمرة في الإعلام، من أسباب خلق الفوضى في وضع الإعلام، ولكن ينبغي أن لا يكون هناك أي تهديد على حرية العمل الإعلامي في إقليم كوردستان"، بحسب مدير مركز ميترو.

وختاماً يشدد سامان فوزي   على أن "الجهة المعنية هي نقابة صحفيي كوردستان، والتي للأسف في وضع لا يحسد عليه، حيث لم تعقد مؤتمراً منذ عدة سنوات، هناك نوع من البرود بين أفرع النقابة. تليها بعد ذلك وزارة الثقافة التي من المفترض أن لا تكون تلك الصلاحية لديها نظرياً، لكن ما يحدث هو نتيجة غياب هيئة مستقلة".

ويقول دياري إن هذه القوانين، رغم وجود ملاحظات كثيرة عليها، والتي يفخر بها مواطنو كوردستان يجب أن لا يتم تجاهلها واستبدالها بتعليمات لا تمتلك قوة قانونية. 

  • FB
  • Instagram
  • Twitter
  • YT